الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
86
مناهل العرفان في علوم القرآن
للنسخ إلا انتهاء الحكم الأول لميقات معلوم عند اللّه ، بيد أنه لم يكن معلوما لنا من قبل ، ثم أعلمنا اللّه إياه بالنسخ . وهذا ليس بفارق مؤثر : فقول الشارع مثلا أول يوم من رمضان ، « صوموا إلى نهاية هذا الشهر » مساو لأن يقول أول يوم من رمضان : « صوموا » من غير تقييد بغاية ، حتى إذا ما انتهى شهر رمضان قال أول يوم من شوال : « أفطروا » . وهذا الأخير نسخ لا ريب فيه . وقد جوز منكروه المثال الأول ، فليجوزوا هذا المثال الثاني ؛ لأنه مساويه ، والمتساويان يجب أن يتحد حكمهما . وإلا لما كانا متساويين . ( الدليل الثالث ) أن النسخ لو لم يكن جائزا عقلا وواقعا سمعا ، لما ثبتت رسالة سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى الناس كافة ، لكن رسالته العامة للناس ثابتة بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة التي يطول شرحها ، إذن فالشرائع السابقة ليست باقية ، بل هي منسوخة بهذه الشريعة الختامية . وإذن فالنسخ جائز وواقع . أما ملازمة هذا الدليل فنبرهن عليها بأن النسخ لو لم يكن جائزا وواقعا ، لكانت الشرائع الأولى باقية ولو كانت باقية ما ثبتت رسالته صلى اللّه عليه وسلم إلى الناس كافة . ( الدليل الرابع ) ما يأتي من أدلة الوقوع السمعي ، لأن الوقوع يستلزم الجواز وزيادة . ب . أدلة وقوع النسخ سمعا : الأدلة السمعية على وقوع النسخ نوعان : أحدهما تقوم به الحجة على منكري النسخ من اليهود والنصارى ، من غير توقف على إثبات نبوة الرسول لهم . والآخر تقوم به الحجة على من آمن بنبوته صلى اللّه عليه وسلم كأبى مسلم الأصفهاني من المسلمين ، وكالعيسوية من اليهود ، فإنهم يعترفون برسالته عليه الصلاة والسلام ، ولكن يقولون : إلى العرب خاصة . وهؤلاء